مقال5 دقائق قراءة

لما شاخ الزمان ونسي نفسه


لو أنّ أحدًا من الذين عاشوا في قطر الرُّبعَ الأوّلَ من القرنِ العشرين عاد إليها اليومَ، فاغترفت عينُهُ بريقَ الأضواء، وأَمَدَّ لَحْظَهُ في الألوان، وأنفذَ بَصرَه في العِمران وفي الإنسان، لما شك وهلةً أنّه - ربّما - في بلاد غريبة.

أصبحت صفحة الوجه المتغضّن الذي اتّسمت به قطر منذ فجر تاريخها الحديث: وجهًا نَضِرًا تنتشر في أرجاء وجنتيه، وتنسدل على عنقه الفارع لحيةً رماديّةً مُدلّاةً لا يزال يهذّبها الزمن.

دَرَجَ العديدُ من الوُصّافِ في التعبير عن بعض لحظات التحول الأثيرة بأنها لحظات خاطفة. وبالنظر إلى المسافات التي طُوَيِتْ في مسيرة البلاد على مسالكَ من ريحٍ وروْضٍ وهجيرٍ ورماد، تتجلّى حقيقة الأمر كلّه، وهو أننا الآن نعيش: مرحلة خاطفة كأنها قد تكثّفت في اللحظة؛ أو كأنّما نحن نعيش في لحظة تحولية مُمَدّدة لم يُكشَف عنها غِطاءُ الأَمَدْ بَعْدْ، نتسربل في ثناياها، نُحيكها وننسجها.

وبين الندوب التي أورثَها تبدّلُ الزمان وانصرامُ أحواله؛ وبين الحصانات التي تَمنَّعَ بها إنسانُنا وتمترس، بين طريقين من ثلجٍ ونار، يبرزُ الطريقُ الثالث الواقع وَسَطَيْهما، بوصفه الرحلة التي ثبّتنا عليها أقدامنا، فكأننا مجرد قدر وكأنها محض اختيار.

ما أوفر الأقلام التي كتبت عن تاريخ قطر، وما أصعب حصرها، مع ذلك، فإن المتشابه منها من حيث الموضوعات والأسئلة والمعالجات أكثر بكثير من المتمايز والمتفرّد. وإذا كان هنالك ما تستدعيه الحقيقة الآنفة، فهو أنّ الكتابة التاريخية لدينا تميلُ إلى ضيقِ الأفق، كأنّما تدور في فَلَكِ هواجسَ محدودة؛ فضلًا عن بعض الكتابات الرغبوية التي تسعى إلى حبسِ نطاقٍ واسعٍ من التفاعلات والدلالات والحقائق في حيّز التملّك. والسعي نحو تملّك التاريخ - بطبيعة الحال ومرارته - هو سعي في الأساس ينحو إلى تملّك الحاضر، والتملّك بالضرورة -أي تملّك كان- يقوم على الاختزال.

إن واقع الوعي الحاضر، وبوصفه كاشفًا عن مدى قدرة الإنسان على أن يقرر بمحض إرادته: ماذا ينسى وماذا يتذكّر، هو الذي يحدد معالم الوعي التاريخي. وما النقص الذي يعتري مساحات التفكير التاريخي إلا انعكاسًا للضعف الذي تعيشه حالة التفكير إزاء ما هو سائد.

وإذا كان الذهن ينصرف -رغم توافر الإمكانات الخلّاقة- نحو مقتضيات نهاره الذي يصطبحه، أو ليله الذي يطاوله، إذا كان لا يستطيع النظر إلى ما وراء الأمس واستكشاف ما يخبّئه الغد، فكيف عساه أن يستلهم الصواب التاريخي؟ كيف بإمكانه أن يتجنّب الوقوع في وِهادٍ تاريخيّةٍ لا مخرج منها؟

بوسعنا أن نحدد ما نريد، ولكن أولى اللوازم التي ينبغي علينا استيفائها هو الوعي بما نريد. نحن في تقاطع حتميّ مع اليوم الذي نعيشه، وفي تدافع مصيري مع مآلات هذا اليوم. نحن بوجه من الوجوه نطفو على سطح الشروط التاريخية التي خلقتْ واقعنا الراهن؛ ولكن باستطاعتنا مع أيّما فرصة من فرص التجديد التاريخية التي -قطعًا- ستلوح من فترة لأخرى أن نقبض على زمام الغد الذي نريد أن نكونه. وبوصفه الغد الذي يسع الجميع. يقول جون ليشته «إن خطر النزعة التاريخية يتراجع عندما ندرك أنه ما من حقبة ماضية يمكن أن تُفهم بطريقتها الخاصة بشكل صرف، نظرًا إلى أن التاريخ، بمعنى ما، هو على الدوام تاريخٌ للحاضر».

وأنا أُرخِي أَعنّة التأمّل في المسائل الخاصة بتاريخ قطر، مستقصيًا تارة بعض الأصول، ومستشكلًا تارة بعض السرديات، وجدتُني أتساءل عن معالم الذهنيّة القطرية وطرق تفكيرها خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وعلى وجه التحديد، بدءًا من 1878م، العام الذي ارتقى فيه المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني رحمه الله سُدّة القيادة. فبدا لي أن سيرة الزعامة المتجسّدة في شخص المؤسس -الزعامة التي اكتسب من خلالها الوجاهة الاجتماعية والفاعلية السياسية والقدرة على صنع الفارق- ليست مجرّدَ تفوّقٍ ذاتيٍّ فريد في محيط موضوعيٍّ مُتلاطم، ولا هي سيرة موضوعية حافلة في مكوّنٍ شخصيٍّ أوحد، فحسب، إنّما هي تجربة تمازجَ فيها الذات والموضوع، وكان كُلّا منهما مُعبّرًا عن الآخر. على هذا الوجه يتحول استنطاق الأسئلة التي جالت عقل المؤسس أبّان حكمه والبحث عن الهواجس التي حكمت تصوراته، واستقراء مدلولات أشعاره وأقواله ومدوّناته، يتحول كل ما سبق إلى فحص دؤوب وتنقيب غؤور في ذهنيّة عامّة اكتنفتْ عقليّات الأفراد والجماعات في أرض قطر، واشتملتْ قدرًا مُعتبرًا من منطق تفكيرها ومن طبيعة نظرها.

غني عن القول إن القرن التاسع عشر ميلادية (1800 - 1899) هو القرن الذي صُهِرَتْ فيه التشكيلات الوجودية التي وَجَدَنا أنفسنا على تخومها. وتقريبًا، فإن كل الأحداث التأسيسية للسياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وكل خطوطها الثقافية والنفسية والذهنية قد وَقَعَتْ وتَحدَّدَتْ ورُسِّمَتْ في هذا القرن. جُلّ ما وقع لاحقًا عبارة عن مكملات لما وقع سابقًا. وإذا ما تقررت في أذهاننا هذه الحقيقة، سيتحقق لدينا تلقائيًا فهم أن الأحداث المؤثرة المتمثلة -على سبيل الذكر لا الحصر- في اتفاقية سايكس بيكو، أو في المعاهدات بين بريطانيا وإمارات الخليج في القرن العشرين، قد جسّدت في واقع الأمر: الحيّز الصغير من رأس الهرم، بينما تعود باقي الأجزاء من الهرم إلى التدابير المنجزة في القرن التاسع عشر. هذا باختصارٍ شديد، وهو اختصار لا يمكن أن يقلل -بأي حال من الأحوال- من أهمية التفصيل في مسألةٍ مُركّبةٍ كهذه المسألة.

لسوء الحظ، فإن المصادر التي حفظت لنا نسق الحياة في قطر في القرن التاسع عشر، تكاد تكون نادرة، ومعظمها يعود للإدارات الإمبراطورية المتصارعة على النفوذ والهيمنة، ما يضع دقتها أو مصداقيتها موضع الشك النسبي، ولاسيما إذا أردنا اتخاذها كمقاييس أو مؤشرات يمكن من خلالها دراسة: الذهن والذهنية والتصورات الخاصة بسكّان قطر أو سكّان المنطقة ككل. إلا أنه -ومن حسن الحظ- قد وصلتنا بعض القصائد والتدوينات، ومن ضمنها، بل أهمّها تلك الواردة بلسان المؤسس أو المأثورة عنه أو المسنودة إليه. وهذه الأهمية لا شك أنها قد تعاظمت مع التطور السياسي، إذ إن العلاقة بينهما سببية إلى حد بعيد. 

إن الحال التي يكاد أن يكون فيها نسيان صورة الماضي -كما كان عليه هذا الماضي حقًّا-: نسيانًا مُطبقًا، و يكون فيها الفهم السائد لما تبقى من رَسْمِ ذلك الماضي: فهمًا قاصرًا أو غير منضبطٍ -نوعًا ما- بضوابط الاجتماع العمراني، وتكون المصادر محدودة وتكون المراجع مكرورة؛ فإن كلّ من: الضرورة الواقعية والإرادة التوافقية والتفكير العملي، يدفعنا بشدة ومسؤولية نحو الحفر والتنقيب في هذا الماضي، والوصول الثاقب إلى أدق ملامحه، وتفرّسِ وجهه جيّدًا، وانتخاب -بعدئذٍ- ما يعزز الأواصر، ويرسّخ الحس المشترك بوحدة الحال والمآل. وفهم الحاضر وفهم الماضي: متلازمان، لا يكتمل أحدهما دون الآخر.  


عبدالرحمن المري
← مقالات
شارك النص: واتساب إكس تيليجرام البريد