ترجمة15 دقيقة قراءة

أن تقرأ كارل شميت في بكين

بن ستيلترجمة: عبدالرحمن المري
أن تقرأ كارل شميت في بكين

في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" واسع الحضور والتأثير، أعلن عالم السياسة فرانسيس فوكوياما أن التاريخ كما استقر في فهم هيغل وماركس بصفته تطور المجتمعات البشرية قد لفظ أنفاسه الأخيرة. فالديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة – وإن لم تنجحا في الوصول إلى كل بلدان العالم من قبل – تمثلان أقصى مرتقى بلغه دهر الإنسانية في التقدم الفكري. يصف فوكوياما الولايات المتحدة الأمريكية بدولة "ما بعد التاريخ"، مُقرّرًا أنها أَتَمَّتْ تطورها السياسي منذ زمن بعيد، وبقي فقط أن تنعتق الصين ودول أخرى من غي السلطوية وزمنها المسدود لكي تلحق بها.

شاع هذا الخطاب الفلسفي في أوساط النخب الفكرية والسياسية والتجارية بشكل واسع. وسرى اعتقاد أن قدرة الإنترنتُ والتجارةُ الحرّة على اجتذاب البلدانَ المتخلفة وإدخالها في ركب رأسمالية الديمقراطية الليبرالية هي محض مسلّمة. أدلى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون هذه القناعة بصوتا واثقا في مارس 2000 قائلا "إن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية لا يجعلها تقبل استيراد منتجاتنا فحسب؛ ولكن يجعلها تُقبل على استيراد أحد أرفع قيم الديمقراطية ألا وهي الحرية الاقتصادية. وكلما حررت الصين اقتصادها، فإنها تحرر مزيدا من طاقات شعبها الكامنة". وعلى غير المرغوب، حقق اقتصاد الصين منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001م نموا بلغ 1400٪ في ظل نظامها الرأسمالي الذي يحكمه حزب أوحد. وأصبحت منذ 2010 أكبر البلدان المصدرة على مستوى العالم، موازاة وممارساتها الممنهجة في انتهاك المبادئ التأسيسية للمنظمة، إذ إنها لا تكف عن قرصنة الحقوق الفكرية عبر الأعمال السيبرانية والتجنيد الاستخباري، وتجبر الشركات الأجنبية داخل حدودها على مشاركة نظمها التقنية مع الشركات المحلية. وبلغ حجم إنفاقها في إطار دعم الشركات الوطنية عشر أضعاف ما تنفقه الولايات المتحدة. ولمّا ارتقى شي جين بينغ سدة القيادة العليا في البلاد عام 2012، شهدت السياسات العامة منذ ذلك العام تهاويا في معدل الالتزام بتطبيق المعايير الليبرالية، واستثمرت سلطاتها التقدمَ التقني لأدوات التواصل الاجتماعي لتبسط توسعها المتنام نحو مراقبة المواطنين وضبطهم.

إذا لم يكن سوى هذا التطور في النظامين السياسي والاقتصادي الصيني دليلا ناقضا لآراء فوكوياما، فإنه يكفينا بلاغةً ويكفينا عجبا. ومع ذلك، فإن ابتعاد الصين عن الليبرالية وعن اقتصاد "دعه يعمل دعه يمر" لا يمثل لنا إلا نصف الحكاية. أما نصفها الآخر – الأبلغ والأعجب– فهو حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبحت ألصق شبها بالصين. وإذ تصاعد التكامل الاقتصادي بين أمريكا والصين إلى ذروة السنام – في ظاهرة سمّاها المؤرخ نيل فيرغسون "تشيميريكا" – انزاحت السياسة الأمريكية في اتجاهٍ لا ليبراليٍّ على رؤوس الملإ انزياحا لعب فيه الصعود الصيني دورا رئيسا.

أقامَتْ العديد من الدراسات المعتبرة رابطا وثيقا بين ما بات يُسمّى "صدمة الصين" – حين ألحق ترحيل الوظائف الواقعة في مجال التصنيع من الولايات المتحدة إلى الصين أذى بالغا على المجتمع الأمريكي – وبين الارتفاع في وتيرة الاستقطاب الانتخابي وارتفاع الأصوات الشعبية المطالبة باتخاذ سياسات استدراكية صارمة. وأجمع كل من هيلاري وكلينتون ودونالد ترامب أثناء انتخابات الرئاسة الأمريكية في 2016 على أن صعود الصين هو العلة وراء اختلال الاقتصاد الأمريكي.

غاب عن نظر فوكوياما التنبؤ بمثل هذا التطور، غير أن هذا الانعطاف الأمريكي تجاه اللاليبرالية عسير أن يفاجئ مفكرا آخرا من القرن العشرين، هو الفقيه القانوني والمؤرخ السياسي كارل شميت. ذاع صيت شميت فترة حكم جمهورية فايمار الألمانية التي تهاوت سريعا أبان عشرينات القرن الماضي، ثم اتسعت شهرته بنحو مذموم بعدما أعلن دعمه ومساندته للنظام النازي الدكتاتوري الصاعد حينذاك. 

إن وجه التاريخ الذي كشف عنه شميت هو الذي أصبحت أمريكا ترتدي ملامحه، فإدارة ترامب باتت تغزل من مبادئ شميت نسيجَ خطواتها نحو سلطويةٍ قصوى.

·      الاستثناء يصبح القاعدة

منذ ولاية ترامب الأولى، انخرط البيت الأبيض في إطلاق ادعاءات غير مسبوقة – ملؤها الريبة – بشأن صلاحيات الرئيس، كالأوامر التنفيذية المستندة إلى اعتبارات فضفاضة مثل حالة الطوارئ أو تهديد الأمن القومي، تتوجه أهدافها المعلنة نحو حماية الصناعات والوظائف الأمريكية من المنافسة الصينية المطَّرِدَّة، وتحصين الولايات المتحدة من الأنشطة الصينية الموجهة نحو سرقة ملكياتها الفكرية واختراق شبكاتها الحيوية وتعطيل قدراتها الدفاعية. 

ومع الولاية الثانية لترامب، امتدت دائرة هذه الممارسات لتشمل مدى أوسع كثيرا من مجرد التبريرات الأمنية والاقتصادية التي استند إليها سابقا. وهكذا، أضحت هذه السياسات – بلا عقال ولا ضبط – تُمارَس عشوائيا في فرض رسوم جمركية عالمية وعقوبات اقتصادية، وحظر على الصادرات، وتقييد للاستثمار، و إصدار مراسيم حكومية منحازة لمنافع الشركات، ونشر قوائم سوداء، وإخضاع موظفي الدولة التنفيذيين لامتحانات قياس الولاء باستخدام أجهزة كشف الكذب، وعسكرة الشرطة، وإطلاق حملة واسعة من الفصل الوظيفي والعفو العام والترحيل الجماعي، تزامنا مع تسليح النظام القضائي ضد الأعداء السياسيين والإعلاميين، واحتجاز الأموال العامة تارة وتارة توجيهها، واستحداث هيئات حكومية وإلغاء هيئات قائمة أو تحجيمها، وإجبار مؤسسات خاصة مثل الجامعات ومكاتب المحاماة على الخضوع  لتوجيهات الحكومة بشكل مباشر. 

نتيجة لذلك، شطّت الولايات المتحدة بعيدا عن ليبراليتها الديمقراطية نحو ما سماه شميت "الديمقراطية الاستفتائية"، وهو نظام يرأسه حاكم منتخب (أو بالأحرى مُزكّى شعبيا) ولكن بلا تقييدات قانونية على سلطته. وقد رأينا سعي ترامب الحثيث إلى التشبث بالسلطة عقب خسارته الانتخابات الرئاسية عام 2020م، وكيف أطلق تمسكه بها شرارةَ أعمالِ شغبٍ وعصيان في قلب الكابيتول. وأبصرنا كم لوح مهددا بالالتفاف على الحظر الدستوري المفروض على الولاية الرئاسية الثالثة.

إن أطروحة فوكوياما تقف خرساء إزاء هذه الظاهرة. فقد كان مقدرا على اللاليبرالية وفق فوكوياما أن تتلاشى لا أن تتمدد وتبتلع من ثم الديموقراطيات الليبرالية، خاصة أكثرهن قِدَمًا وعراقة في العالم. 

مما يسترعي انتباهنا أن علاقة التداخل الاقتصادي هذه، القائمة بين قوتين عظميين مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين، غابت أتم الغياب في حالة أمريكا والاتحاد السوفياتي حين كانا التنافس بينهما في ذروته. ولأن موسكو قد نأت بعيدا عن تبنّي الطيف العريض من قواعد الاستثمارة والتجارة الأمريكية، فإن معايير التجارة المصبوغة بالرؤية الأمريكية والمفروضة دوليا عبر منظمة التجارة الدولية وصندوق النقد الدولي ومؤسسات دولية أخرى ظلّت في حِرْزٍ من المنازعة السوفياتية. كان الأثر الناجم عن ذلك انغراس الديمقراطية الليبرالية في جسد النظام السياسي الأمريكي، فأفضى إلى ترسخ الوهم الكبير القائل إن باستطاعة الولايات المتحدة نشر الديمقراطية الليبرالية في أصقاع العالم دون أن تحيد عنها يوما ما قط. ولو أنه زِيدَ في عُمر شميت قليلا (إذ توفي 1985 عن ست وتسعين عاما) فلعله سيشهد بعينيه نشوء هذا التطور التاريخي المغاير.

في بلدة بيتينبرغ ذات الطابع البروتستانتي من محافظة ويستفاليا، وُلِدَ شميت في 1888م لأسرة كاثوليكية من أدنى الطبقة الوسطى موصوفةً بالدين والورع. ترقّى شميت في مدارج البحث في القانون الدستوري وتاريخ أوروبا السياسي حتى أصبح عَلَمًا فيهما. وتَشَكَّلَتْ أفكارُه في خِضِمِّ قلقه العميق من معاناة ألمانيا السياسية والاقتصادية في عشرينات القرن الماضي، وهي معاناة كان يلقي بها اللوم على دستور ليبرالي يفيض بإجرائيّاتٍ قوامها العجز والشلل بدلا من صناعة وحدة وطنية بقيادةٍ حازمة. وبالرغم من أن شميت لم يقل إن مصير الليبرالية هو النكوص عنها؛ لكنه نازع على أن الليبرالية هشة بطبيعتها وستتهشم فور حدوث الأزمات التي ليس بمقدور الدستور ولا القوانين التنبؤ بها. إنها أحداث تفرض على صاحب القرار أن يخرج على الحدود القانونية من أجل حماية النظام الليبرالي، أي الحدود التي يفترض أنها تحمي هذا النظام وتقيده. لذا لم يكن لشميت أن يتعجب من انعطاف الولايات المتحدة نحو اللاليبرالية. التاريخ لدى شميت لا يعبر عن مسار خطي للتقدم كما عند هيغل أو فوكوياما؛ إنما يمثّل صراعا دائما يقع خصّيصًا بين الهويات السياسية. ولطالما نظر إلى الفكرة الليبرالية التي تؤطّر الممارسة السياسية في مجرد النقاشات الدائرة حول القواعد والتصويت داخل الدول وفيما بينها على أنها وهمٍ خطير. ذلك أن ثنائية العدو والصديق – في تصوره – ثنائية أزلية وراسخة بين المجتمعات البشرية المنظمة. بل إن الجماعة التي تذهب إلى إنكارِ حقيقةِ هذه الثنائية ينتهي بها مطاف الإنكار هذا إلى تأكيدها وإقرارها، ويتبدّى ذلك في مقاومة الآخرين لها حين تشرع في إجبارهم على تطبيق مبادئ تخص مصالحها المحضة بدعوى أنها قيم كونية. وعلى هذا الأساس، رأى شميت في دعاة السلام الليبراليين خطرا يفوق الخطر الكائن لدى المؤدلجين سياسيا، ذلك أنهم لا يتورعون عن تصنيف خصومهم الفكريين "أعداءَ للإنسانية" تمهيدا لإبادتهم. وللولايات المتحدة عداوات مديدة لم تنشأ باختيارها بل بسعيها نحو إلزام أمم العالم بقيم – يزعم أنها – كونية (مثل الحرية، التحرر، الديمقراطية وحقوق الإنسان) تتصادم بالضرورة مع قيم ذات خصوصية لدى أمم أخرى مثل (الاستقلال والكرامة أو الثقافة الوطنية). ولأن القيم الأمريكية تُطرح بصفتها حقائق إنسانية واجبة التطبيق، فإنها غالبا ما تكون سببا مباشرا في افتعال حروب شاملة – كما في فيتنام وأفغانستان والعراق – في مقابل القيم الوطنية التي تنحصر حركتها داخل حدودها الخاصة.

لعل نظر أمريكا إلى ذاتها بصفتها دولة "ما بعد تاريخ" أن يستثير حفيظة شميت النقدية فيراها قد أصبحت عرضة للاستغلال من قبل الدول التي لا تزال تعمل وفق لاهوت سياسي تاريخي. لقد تمكنت الصين على وجه الخصوص من بسط هيمنتها على قطاعات الاقتصاد العالمي عبر استغلال الآليات الليبرالية القائمة على القواعد التنظيمية – مثل القواعد المنصوص عليها في منظمة التجارة العالمية وأيضا قوانين التجارة والاستثمار الأمريكية – مما أحدث مساسا مباشرا بالمصالح القومية الأمريكية اقتصاديا وسياسيا. خلق ذلك نموا في الإحساس الجمعي الأمريكي بوجود تهديد يحدق بهم، موطّئًا بدوره السبيل إلى نشوء مطلب شعبي عام أو بالأحرى عدم ممانعة أن يجيء صاحب قرار ويعلن "حالة طوارئ" ويحكم خارج الضوابط التشريعية والقضائية المعهودة. وما هذه الضوابط في ميزان شميت إلا صانعة أوهام، إذ تضع على الوعي غِشاوةَ وَهْمٍ اسمه حكم ديمقراطي ليبرالي يتمدد في الفترات الزمنية الواقعة بين كل أزمة وأخرى، حتى إذا أنشبت الأزمة أظفارها تبدّدَتْ غشاوة هذا الوهم سريعا وانزلقت الديمقراطيةُ الليبرالية إلى سلطوية في فلق النهار.

سينزع شميت إلى تصنيف منظمة التجارة العالمية على أنها مجرد محاولة ليبرالية تستهدف إخفاء السياسة خلف ستارة الاقتصاد. فالصراعات التجارية في رأيه ليست سوى صراعات سياسية، والحروب التجارية إنما تكشف اختلالات القوى التي يستحيل استعادة توازنها في إطار قواعد متعددة الأطراف أو آليات تسوية النزاعات أو هيئات استئناف أو أيا يكن. وإن رد الفعل الأمريكي إزاء صعود الصين الخاطف بما هي قوة اقتصادية عظمى إثر انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية – والذي سجل أولى بداية له في فترة حكم ترامب الأولى – إنما يعبر عن نتيجةٍ محسومةٍ سَلَفًا وفق المنطق الشميتي. لقد منع ترامب تعيين قضاة في هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة، وقيّدَ الواردات تحت ذريعة إضرارها بالأمن القومي الأمريكي وهي ذريعة لا يمكن الطعن فيها قضائيا، ثم أصدر رسوما جمركية واسعة في خذلانٍ لتعهدات "الدولة الأكثر رعاية" في العالم.

من شأن شميت أن ينظر إلى الصعود الصيني العسكري والاقتصادي المتوقع استمراره ليرى كبرى مآلاته تتجلّى في انسحاب الولايات المتحدة من التكتلات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، حلف الناتو، بل حتى من منظمة الأمم المتحدة، أو الوقوف منها موقف الحياد. فهذه المؤسسات – التي أقامت واشنطنُ أركانَهَا بعد الحرب العالمية الثانية – تمثّلُ أصدقَ صورة لإرادة أمريكا في زرع جذور الهيمنة تحت شعار الالتزام بالمبادئ الدولية. ولكن إذا استقرت حقيقة أن الهيمنة النسبية لواشنطن آخذة في الاضمحلال، فإن نفوذها منحسر لا محالة. وستندفع الولايات المتحدة بدورها إلى اعتبار أن إحسانها قد قوبل بالنُكران، وأن هذه المؤسسات الدولية المنتفعة أضحت هَرِمَة وبالية، أكل الدهر عليها وشرب، فلا بد حينئذ من هجرانها.

·      فَزَعٌ أحمر

ليس على أحدٍ جُناحٌ ألا يؤمن بسخرية شميت اللاذعة من الأسس الليبرالية لكي يستوعب منطق إيمانه بانهيارها، ولكن يكفيه فقط إدراك حجّته الرئيسة بأن السياسة أبدية في طبعها وعدائية في حقيقتها، وأن الليبرالية رخوة أمام الأزمات لأنها تكرس الوهم القائل إن القانون – لا صانع القرار – هو صاحب السيادة. ولنقتبس من شميت عبارته الواردة في مؤلفه المبكر اللاهوت السياسي المنشور في 1922: "إن صاحب السيادة هو من يقرر حالة الاستثناء"، أي إنه هو الذي يعلن الحالة التي يجب فيها تعليق النظام القانوني تحت شعار الحفاظ عليه وصونه وحمايته.

عند نشوب الصراعات الخانقة بين الدول، يكون على الديمقراطية الليبرالية إما أن تفسح الطريق للقوى القادرة على توحيد الشعب – مثل الشيوعية أو الفاشية أو أي ضرب من أضراب الدكتاتورية – أو أن تتعرض لاحتمالات الفوضى والهزيمة.

إن صعود الصين إلى موقع المنافس اللدود للولايات المتحدة جنبا إلى قدرتها على إشباع طموحها في إعادة تشكيل العلاقات الدولية ومؤسساتها ومعاييرها قد حفر في وعي واشنطن تهديدا وجوديا اسمه CHINA. حتى لقد تحولت العلاقة بينهما خلال العقد الأخير إلى منازلة حضارية. في 2005 وَجَّهَ روبرتُ زوليك – نائب وزير الخارجية الأمريكي – دعوة إلى الصين لتكون "فاعلا مسؤولا" في نظام ليبرالي دولي. وعلى غير ما دعى إليه زوليك، نمت بكين لتصبح كما وصفتها إدارة ترمب في 2017 بأنها "قوة مُنازِعِة"، أو بلغة شميت "عدو مطلق" للنظام القائم.

  أدخل تهديدُ الصينِ الولاياتَ المتحدة في تناقض حاد مع ذاتها، وبزعمها الدفاع عن هويتها الليبرالية أضحت أمريكا أقل ليبرالية وأكثر استبدادا، وصار حالها فوكوياميا ولكن مقلوبا. ولا مناص من القول إن صعود الصين اللاليبرالي جسّد القوة التي جعلت من الولايات المتحدة تنأى بعيدا عن الليبرالية. واتساقا مع مقولة شميت أن صاحب السيادة هو من يقرر حالة الاستثناء، ذهب ترامب في فترته الثانية بدأبٍ شبه يوميٍ إلى استحداث حالات طوارئ تحت مزاعم الحفاظ على الأمن القومي ليبرر انتهاك الأعراف القانونية. وبلغ به الأمر أن صَنَّف ظواهر قائمة منذ عقود مثل ظاهرة عجز الحساب الجاري التي لا تعني بأي حال وجود علاقة سلبية بينها والأداء الاقتصادي بصفتها حالة طوارئ تستوجب على الرئيس الاستئثار بصلاحية إصدار رسوم جمركية لا سقف لها، وهي صلاحيات حَصَرَهَا الدستور في سلطة الكونغرس. وقد عمد مستشارو ترامب في معرض دفاعهم عن أفعاله الرئاسية غير المسبوقة إلى ربطها بنظرية قانونية ظلت ردحًا من الزمان مُهمَلَة وهي نظرية "السلطة التنفيذية الموحدة"، وطفقوا يستحضرون مفاهيم شميت عن صاحب القرار السيادي المتعالي على الأساطير الليبرالية بشأن ممارسة الحكم في إطار القوانين والحوار والفصل بين السلطات. إن فشل الكونغرس الذريع في الدفاع عن صلاحياته، وعجزه البليغ عن استردادها بشهامة تحفظ الوفاء للآباء المؤسسين يعد أبلغ علامة على انحدار النظام الدستوري الأمريكي.

مما لا خلاف عليه أن الصين ليست السبب الأوحد خلف انبعاث هذه التجاوزات الرئاسية كما تزعم الادعاءات العريضة القائلة بأن صعودها هو الدافع الأكبر وراء ذلك؛ بيد أنها كالنصل الذي غُرِزَ في أحشاء التوازن الدستوري تحت لواءِ حماية مصالح العمال الأمريكان. وإذا رأى فوكوياما في الديمقراطية الليبرالية مجالٌ يشد الأنظمة غير الليبرالية إليه شد المجذوبين، فسيرى شميت – من جانبه – أن نهوض الصين اللاليبرالية أشبه بالقوة التي جعلت الولايات المتحدة تشذ السير عن ليبراليتها وذلك – ويا للمفارقة – في سبيل الدفاع عن النظام الدولي الليبرالي.

من اللافت بحق أن يسري في عروق النخبة الفكرية الصينية ما سمّاه العديد من المثقفين الصينيين والغربيين "حُمَّى شميت"، وهي ظاهرة الانكباب المتزايد على مفكر غربي قوّض الرأي السائد في كون نموذج الديمقراطية الليبرالية الأمريكي متفوقا بالضرورة على ما سواه من أشكال النظم السياسية. وبين عامي 1979 و2003 بقيت الاستشهادات بشميت في المقالات الأكاديمية المتاحة على قاعدة بيانات المنشورات الوطنية في نطاق عدد محدود، إلا إنه بدءا من الفترة اللاحقة على ذلك ارتفعت وتيرة الاستشهاد به بنحو سنوي إلى أن بلغت اليوم ثلاثين ضعف ما كانت عليه في 2003. لقد أصبح شميت بحكم الواقع فوكوياما الصيني.

·      الطريق إلى اللا ليبرالية

هل الطريق إلى اللاليبرالية الأمريكية قَدَرٌ نافذ لا مفر منه؟ كلا. لأن آراء شميت في الليبرالية – وبخلاف فوكوياما – لم تك قط غائية، فلم تَدّعِ أن للتاريخ مآلات حتمية، إنما تطرح مسارات واتجاهات محتملة. عند هذه النقطة، جدير أن نشير إلى العنوان الكامل لكتاب فوكوياما الأكثر مبيعا "نهاية التاريخ والإنسان الأخير". يرمز "الإنسان الأخير" هنا إلى نموذج الإنسان النيتشوي الذي سيظهر عندما يصل المجتمع الليبرالي الاستهلاكي إلى ذروة اكتماله. وقد أَلَمَّ الفزع بنيتشه وفوكويوما أن يصبح الإنسان الأخير عاريا من الشغف واليقين، يُغَلِّب الأمن والراحة على النبل والبطولة، والأفزع من ذلك أن يَبُثَّ في روح الليبرالية ضعفا وهوانا لعجزه الدفاع عنها.

وبالمثل، فإن إنسان شميت الأخير المنتمي إلى مجتمعٍ من صُنْعِ الزعيم القائد، سرعان ما ستستنزفه كلفة النصر ويرهقه عبء العظمة – لاسيما حين لا يتحقق أي منهما –، وعندئذٍ سيوقظه التوق إلى مناخٍ تَعُمُّهُ سكينةُ القواعد وإلفُ الإجراءات وطمأنينةُ الروتين. إن امتناع هذا الإنسان عن الانخراط في سياسة وجودية يُتَعَامَلُ فيها كلُّ ملفٍّ سياسي أو اقتصادي بصفته إعلانًا لحالة طوارئ تستدعي تدخلا رئاسيا، إن امتناعه هنا ليستحثُّ مؤسسات تغط في سبات عميق مثل الكونغرس نحو النهوض واستعادة صلاحياتها التاريخية. وتبقى إشكالية العدو الذي صوَّرَهُ شميت وخطورة قدراته ومآربه قائمة بطبيعة الحال، غير أن نطاق الصلاحيات الرئاسية التي سيستأثر بها الرئيس لنفسه ستقتصر في هكذا حال على حدود التهديد الحقيقي الذي يشكله العدو الشميتي.

إن التاريخ دالّتنا على أنَّ عملية استرجاع الديمقراطية الليبرالية – كما في حالة ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية – ليست خِلوًا من العَقَبَات ولا تحدث تلقاءَ ذاتها، بل ذات مسار أعرج ومُكْلِفٍ ومضرَّجٍ بالدم. وقد سبق أنْ حذّرَ أب الدستور جيمس ماديسون من خطر انبعاث التكتلات الفئوية وخطر تصدّعِ آليات الرقابة والتوازن – وهما منعطفان لا أوضح اليوم منهما – بما يحملانه من تهديد للجمهورية الأمريكية.

الذي في وسعه إنعاش فرص الليبرالية هو إعادة تشكيل العُرى الأيديولوجية والأمنية والاقتصادية التي ظلّت تشد وثاق الولايات المتحدة بحلفائها الأوربيين والآسيويين أبّان الحرب الباردة. لقد أَعْلَتْ هذه العُرى دور الأصدقاء السياسيين بلغة شميت. وجاء ترجمانُ ذلك في ندرة الحالات التي جرى فيها اللجوء إلى خرق النظام الدستوري الذي لا ريب أنه يضعف الروابط بين أمريكا وحلفائها ويقوّض أمن الجميع وازدهارهم. 

وفي حقيقة الحال، فإن تشكيل هذه العُرى من جديد مهمةٌ عَصِيّةً في اللحظة الراهنة، خاصّةً إزاء تجارب صعود أحزاب اليمين الشعبوية التي مَرَّتْ بها كُلُّ من التشيك وفنلندا وفرنسا وألمانيا والمجر وإيطاليا وهولندا وبولندا والبرتغال ورومانيا وسلوفاكيا والسويد والمملكة المتحدة – وجميعها دول صديقة لأمريكا وفق معيار شميت – وهي أحزاب لسان حالها التشكيك في جدوى النظام الليبرالي الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا يبدو أن افتتان الغرب بلاليبرالية شميت قد استفاق لتوّه.

عبدالرحمن المري
← ترجمات
شارك النص: واتساب إكس تيليجرام البريد